فخر الدين الرازي

150

تفسير الرازي

ولا تفطر ، لأن من لا يأكل قد يفطر بغير الأكل ، ولقائل أن يقول إن مثل هذا الكلام يكون للتفسير فيقول لا تفطر ولا تأكل أي لا تفطر بأن تأكل ولا يكون نهيين بل واحداً . قوله تعالى * ( وَاقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَْصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) * . لما قال : * ( ولا تمش في الأرض مرحاً ) * وعدم ذلك قد يكون بضده وهو الذي يخالف غاية الاختلاف ، وهو مشي المتماوت الذي يرى من نفسه الضعف تزهداً فقال : * ( واقصد في مشيك ) * أي كن وسطاً بين الطرفين المذمومين ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : هل للأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد في المشي ؟ فنقول : نعم سواء علمناها نحن أو لم نعلمها وفي كلام الله من الفوائد ما لا يحصره حد ولا يصيبه عد ، ولا يعلمه أحد والذي يظهر وجوه الأول : هو أن الإنسان لما كان شريفاً تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطراً فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشي ، فإن عجز عن إدراك مقصوده ينادي مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشياً إليه فإن عجز عن إبلاغ كلامه إليه ، وبعض الحيوانات يشارك الإنسان في تحصيل المطلوب بالصوت كما أن الغنم تطلب السخلة والبقرة العجل والناقة الفصيل بالثغاء والخوار والرغاء ولكن لا تتعدى إلى غيرها ، والإنسان يميز البعض عن البعض فإذا كان المشي والصوت مفضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر الثاني : هو أن الإنسان له ثلاثة أشياء عمل بالجوارح يشاركه فيه الحيوانات فإنه حركة وسكون ، وقول باللسان ولا يشاركه فيه غيره وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه إلا لله ، وقد أشار إليه بقوله : * ( إنها إن تك مثقال حبة من خردل ) * أي أصلح ضميرك فإن الله خبير ، بقي الأمران فقال : * ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) * إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال الثالث : هو أن لقمان أراد إرشاد ابنه إلى السداد في الأوصاف الإنسانية والأوصاف التي هي للملك الذي هو أعلى مرتبة منه ، والأوصاف التي للحيوان الذي هو أدنى مرتبة منه . فقوله : * ( وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ) * إشارة إلى المكارم المختصة بالإنسان فإن الملك لا يأمر ملكاً آخر بشيء ولا ينهاه عن شيء . وقوله : * ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً ) * الذي هو إشارة إلى عدم التكبر والتبختر إشارة إلى المكارم التي هي صفة الملائكة فإن عدم التكبر والتبختر صفتهم . وقوله : * ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك ) * إشارة إلى المكارم التي هي صفة الحيوان ثم قال تعالى : * ( إلي أنكر الأصوات لصوت الحمير ) * وفيه مسائل :